محمد بن محمد ابو شهبة
643
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وقد جمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى شجاعته وبطولته الجسمانية الشجاعة النفسية والبطولة الروحية ، وإنا لنلمس هذا في قوله لعمه أبي طالب وقد قال له : ( يا ابن أخي أبق علي وعلى نفسك ) فظنّ أن عمه خاذله ، فقال قولته المشهورة : « واللّه يا عم ، لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري ، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللّه أو أهلك دونه ما تركته » وأخذت هذه العظمة النفسية بنفس أبي طالب وبهرته ، فما كان منه إلا أن قال له : ( اذهب فقل ما أحببت ، فو اللّه لن أسلمك لشيء أبدا ! ! ) وفيما قدمناه في كتابنا من شجاعة النبي وبطولته الشيء الكثير . ومع هذه الشجاعة الفائقة قد كان رؤوفا رفيقا بالناس رحيما بهم ، رقيق القلب ، تجري دموعه رقة ورحمة ، فقد كان إذا رأى سيدنا مصعب بن عمير ، وهو يلبس خلق الثياب ، مع أنه ترعرع في أحضان النعيم ، ولكن اثر الشقاء مع الإيمان ، على النعيم في الكفر - بكى ! ! . ولما أذن اللّه في زيارة قبر أمه ، « بالأبواء » بكى وأبكى من حوله ، ولما مات ولده إبراهيم بكى وقال : « العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون » ، ولما قال له عبد الرحمن بن عوف ، وقد راه يبكي : ( وأنت يا رسول اللّه ؟ ! ) قال : « يا ابن عوف ، إنها رحمة » ! ! ولما ذهب النبي وأصحابه إلى سعد بن عبادة يعوده في مرضه ، وقد غشي عليه ، فبكى ، وبكى معه أصحابه ، وقال : « إن اللّه لا يؤاخذ بدمع العين ، ولا بحزن القلب ، وإنما يؤاخذ بهذا » وأشار إلى لسانه ، وقال في موقف اخر : « إنها - الدمعة - رحمة ، وإنما يرحم اللّه من عباده الرحماء » « 1 » .
--> ( 1 ) صحيح البخاري - كتاب الجنائز - باب البكاء عند المريض ، وباب يعذب الميت ببكاء أهله عليه .